نخبة من الأكاديميين
34
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بيد أن الثورة لم تنقذ ليديا من الاحتلال الفارسي ، وإنما على العكس من ذلك ، أسهمت في إحكام القبضة عليها ، وتدمير المدينة المتزعمة للحلف ( ميليتوس ) ، ومهّدت بالتالي لتوسيع رقعة الغزو ، بما يؤمّن الحدود الغربية للفرس ، ويقلل من استهدافها من جانب المدن اليونانية الأوروبية ، وذلك بعد دخول أثينا طرفاً في الحرب . ولم يلبث الإمبراطور ( دارا ) أن قام بتنفيذ حملة كبيرة نزلت في سهل « ماراتون » القريبة من أثينا ( 490 ق . م . ) ، إلا أن الفرس فوجئوا بانكسارهم في المعركة ، والذي يعود برأي المؤرخ سلمان إلى معرفة قائد يوناني سبق له أن خدم ، مرتزقاً لدى الفرس ، بأساليب هؤلاء وفنونهم القتالية ، كذلك إلى الدور الفاعل لفرق المشاة الأثينية التي تصدّت ببراعة لفرق الرماة في الجيش الفارسي « 1 » . وكان من نتائج هذا المعركة ، أن الهزيمة التي شكّلت صدمة كبيرة للفرس ، أدّت بهم إلى الانكفاء بضع سنوات ، لا سيما وأن الإمبراطورية عانت حينئذٍ من أزمات داخلية ، كذلك واجهت ثورة في مصر ( 486 ق . م ) ، أعقبتها في العام التالي وفاة الإمبراطور ، مما دفع خليفته خشايار شاه إلى الاهتمام مؤقتاً بشؤون دولته وإعادة تنظيم قواته الحربية « 2 » . ولكن هزيمة ماراتون ، لم يكن ممكناً طي صفحتها تحت ضغط الاعتبارات الداخلية ، فظل الفرس يتوقون إلى الانتقام ، وعلى رأسهم الإمبراطور الذي حاول الإفادة من الانقسام على الجبهة اليونانية ، وفي ضوء ذلك ، شنّ الفرس حملة جديدة ( 480 ق . م ) ، توغّلت بعيداً في تلك الجبهة ، محققّةً أول انتصاراتها على جيش اسبارطة ، بعد تدميره بصورة كاملة . بيد أن المدن اليونانية لم تلبث أن استعادت ، بزعامة أثينا ، وحدتها شبه التامة أمام الغزو الفارسي ، وتصدّت بنجاح للأخير ، موقعةً بإسطوله هزيمة أخرى في معركة سلاميس التي شكّلت نقطة تحوّل حاسمة في الصراع الحربي بين الطرفين ، حيث كان التفوّق البحري لليونان عاملَاً مهماً في إحراز النصر ، ومن ثمّ في إقناع الفرس بالتخلّي عن مشروعهم التوسعي في هذه الجهات ، على الرغم من الحرب اليونانية اليونانية التي أنهمكت بها أثينا فترة طويلة من الزمن . ولعل السؤال يفرض نفسه في هذا السياق ، عن دوافع الصراع ومسوّغاته لدى الفرس ، باعتبارهم المبادرين إلى إشعاله عبر توغّلهم في مناطق النفوذ الخاضعة لليونان أو الموالية لهم ؟ وفي محاولة الإجابة على ذلك ، لابدّ من التوقّف عند صعود القوة الفارسية في ذلك الحين ، والهيمنة الكاملة على الأقاليم الشرقية ، على حساب دول عريقة ، مما أرسى دعائم إمبراطورية ، لم تشهد المنطقة مثيلًا لها في تلك الأزمنة ، وفي ضوء ذلك كان الفرس أمام تحدٍّ أخير ، يستجيب بداهة للنزعة التوسعية لأي نظام إمبراطوري ، طامحٍ ، ليس فقط إلى فرض سيادته العالمية ، ولكن أيضاً إلى تعميم فكره ونمط ثقافته في موازاتها . فقد كان الفرس من هذا المنظور ، وبدءاً من تشكّل دولتهم الأولى ، في هذا السبيل سواء على مستوى « عولمة » القرار السياسي ، أو على مستوى حركة التفاعل الحضاري بين الشرق والغرب . وإذا كانت محاولات الفرس ، في اختراق المجال الأوروبي ، لم تقابلها حركة مماثلة على الضفة الأخرى من جانب اليونانيين المنقسمين مدناً متصارعة ، باتجاه الشرق ، فإن الإسكندر الأكثر وعياً بتلك
--> ( 1 ) Greek Coins P . 91 ( 2 ) يحيى ، المرجع السابق ص . 158 .